للتسجيل بالمنتدي بالتسجيل



 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حرية الرأي والعقيدة - بقلم‏:‏ عبد الرحيم علي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Manager
المدير العام
المدير العام


ذكر
السرطان النمر
عدد الرسائل : 3145
الاوسمة :
تاريخ التسجيل : 02/05/2008
نقاط : 12885
التقييم : 19

مُساهمةموضوع: حرية الرأي والعقيدة - بقلم‏:‏ عبد الرحيم علي    الأربعاء 18 أغسطس 2010, 11:19 pm


حرية الرأي والعقيدة - بقلم‏:‏ عبد الرحيم علي

بقلم‏:‏ عبد الرحيم علي
القسم الثالث‏:‏
حرية الرأي والتعبير في الفكر الاسلامي‏:‏ أظهرت الحلقات السابقة‏,‏ من
هذه الدراسة‏,‏ أن قضية حرية الرأي والتعبير‏,‏ حقوق إنسانية ثابتة ومصانة
ومؤكد عليها من خلال القرآن الكريم وسنة الرسول محمد‏(‏ صلي الله عليه
وسلم‏)
التي اتبعها خلال ما قام به في الدولة الوحيدة التي أقام دعائمها
في المدينة وحكمها بنفسه طيلة عشر سنوات وقد تجلي لنا أن هذه الحرية هي حق
لكل إنسان‏(‏ مسلما كان أم غير مسلم‏),‏ طالما أنه لم يعتد ع
لي أحد وآثر أن يعيش في سلم وأمن وسلام‏.‏
وكان
الخلفاء الراشدون‏,‏ رضوان الله عليهم‏,‏ في طليعة من جسدوا‏,‏ بسلوكياتهم
وممارساتهم‏,‏ جوهر الفكر الاسلامي النقي في جميع المجالات‏,‏ ومن المنطقي
أنهم أولوا لحرية الرأي والتعبير مكانة سامية تتمثل بجلاء ووضوح في كثير
من مواقفهم العملية المضيئة‏.‏ يظهر احترام أبي بكر الصديق لقيمة حرية
الرأي والتعبير‏,‏ والالتزام بالشوري‏,‏ ورفضه لأساليب الحكم الاستبدادي في
خطبته الأولي بعد أن تمت له البيعة‏..‏ وتأتي ـ بلغة العصر ـ كبرنامج
سياسي للحكم حيث قال في تلك الخطبة‏/‏ البرنامج‏:‏
أما بعد‏..‏أيها
الناس‏,‏ فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم‏,‏ فإن أحسنت فأعينوني‏,‏ وإن
أسأت فقوموني‏,‏ الصدق أمانة‏,‏ والكذب خيانة‏,‏ والضعيف فيكم قوي عندي حتي
أرجع إليه حقه إن شاء الله‏,‏ والقوي فيكم ضعيف عندي حتي آخذ الحق منه إن
شاء الله‏,‏ لايدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل‏,‏
ولاتشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء‏,‏ أطيعوني ما أطعت الله
ورسوله‏,‏ فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم‏.‏
وهذا المفهوم
لأسباب الطاعة لم يكن مشهورا لدي العرب قبل أن ينطق به الصديق أبو بكر‏,‏
ليؤسس به أولي لبنات الحرية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم‏(‏ البشر‏)‏
بعد أن كانت تقوم علي الغلبة والقوة والبطش‏,‏ إن الالتزام بمفاهيم الشوري
وحرية الرأي‏,‏ لم يكن معهودا في ذلك الوقت‏,‏ في الدولتين اللتين كانتا
تحكمان العالم آنذاك‏(‏ دولة الفرس‏,‏ ودولة الروم‏)(‏ عبد المتعال الصعيدي
ـ المجددون في الاسلام‏).‏
حرص أبو بكر علي توسيع دائرة المشاركة في
الشوري وتبادل الرأي بين المسلمين واحترامه وإعلانه للجميع‏,‏ دون تفضيل
فريق أو جماعة أو إهدار لرأي فريق لصالح آخر‏.‏
وظل حرص أبي بكر في
خلافته علي استشارة المسلمين وأخذ رأيهم حتي قبل وفاته حينما حرص علي
التشاور وأخذ الرأي فيمن يتولي خلافتهم بعده‏..‏ولم يحدد رجلا بعينه وإنما
ترك الأمر لجمهور المسلمين لابداء الرأي واختيار خليفتهم‏,‏ فلما وقع
اختيارهم بالاجماع ـ إلا ماندرـ علي عمر بن الخطاب أوصي به خليفة للمسلمين
من بعده‏.‏
حرص عمر في حكمه علي التشاور في كل الأمور التي تخص المسلمين
جميعا‏,‏ والسعي الجاد لسماع كل الآراء‏..‏والخضوع لأي رأي يراه صوابا
مهما كان قائله‏,‏ وقد ظلت عبارته المشهورة‏(‏ أصابت امرأة وأخطأ عمر‏)‏
يرددها القاصي والداني منذ فجر التاريخ وحتي الآن‏..‏
لايضيق بالنقد
يوجه إليه من أي فرد من الناس كبيرا كان أو صغيرا‏,‏ وقد خطب في الناس عقب
توليه مسئولية الخلافة قائلا‏:‏ من رأي منكم في اعوجاجا فليقومه‏,‏ فقام
رجل فقال‏:‏ لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا‏.‏
فقال عمر‏:‏ الحمد
لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بسيفه‏,‏ ثم خطب يوما فنهي
عن التغالي في المهور‏,‏فقامت امرأة فقالت أنصدقك ياعمر أم نصدق قول الله
تعالي وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه
شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا‏(‏ النساء‏:‏ آية‏20)‏ فقال‏:‏ صدق الله
وكذب عمر‏,‏ أو أصابت امرأة واخطأ عمر‏.‏
رافق علي بن أبي طالب الدعوة
الاسلامية منذ بدايتها‏..‏فقد أسلم وهو صبي في العاشرة من العمر‏..‏أظهر
تعففا وإحجاما عن الأخذ بزمام الحكم عندما دعي إلي ذلك بعد مقتل عثمان بن
عفان‏,‏ لأنه كان مقتنعا أن الولاية‏(‏ الحكم‏)‏ يجب أن تكون عن طواعية
واختيار ليكون الحكم شعبيا‏(‏ ديمقراطيا‏)‏ لاطغيان فيه ولااستبداد‏..‏ وظل
علي موقفه حتي بايعه الناس علي السمع والطاعة‏.‏
وعندما أشار عليه
البعض‏(‏ بعدما طعنه أحد الخوارج‏)‏ بأن يأخذ البيعة لابنه الحسن‏..‏قال لا
آمركم ولا أنهاكم‏,‏ لأنه لم يكن يري أن يفرض ابنه بالقوة علي
المسلمين‏,‏بل كان يري أن لهم حقا في قبوله أو رفضه‏,‏ ولم يقف أمر علي عند
هذا الحد وإنما امتد احترامه لحرية الرأي إلي أن قال مقولته الشهيرة‏(‏
عندما دعي إلي تحكيم القرآن في خلافه مع معاوية‏)‏إنما ينطق به أفهام
الرجال‏,‏ في إشارة واضحة لالبس فيها إلي احترام الرأي والرأي الآخر وإن
كان الجميع ينطق بالقرآن‏,‏ مقرا بأن ذلك يظل فهمه له وليس شيئا آخر‏.‏
تولي
عمر بن عبد العزيز خلافة المسلمين وقد لحق بالحكم الفساد والجور
والاستبداد فسعي لاصلاح أحوال الحاكم والمحكومين واجتهد واصلح وعاد للعمل
بالشوري مقدما أهل الرأي والخبرة علي أهل الثقة وكذلك كان سعيه لانصاف
طوائف الأمة علي اختلاف أجناسها وآرائها وعقائدها‏,‏ فأرضي بهذا المخالفين
فيها قبل الموافقين وقضي علي الفتن والثورات الداخلية‏.‏
أبوبكر الصديق
وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمر بن عبدالعزيز ممن أدركوا ـ وطبقوا ـ
ما يدعو الاسلام إليه من مبادئ وقيم ومثل‏,‏ وحرصوا علي التنفيذ العملي لما
يدعو إليه الدين‏,‏ متكئين في سلوكهم علي الوعي بما يبشر به الاسلام في
أصوله النقية‏,‏ القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة‏.‏
لكن هذه القيم
ـ حرية الرأي والتعبير ـ تعرضت لانتكاسه وانتقاص مع بداية العصر الأموي
وقد جاءت هذه النكسة في سياق جملة من النكسات والانتقاصات السياسية
والفكرية والفقهية شهدها التاريخ الاسلامي‏,‏ عندما تحولت الخلافة من نظام
سياسي مبني علي دعامتي العدل والشوري إلي نظام كسروي مبني علي الظلم
والاستبداد‏.‏
فكانت المصادرة الفكرية وظهر الكهنوت في الاسلام واختلطت
عن عمد مفاهيم الدين بأهداف السياسة‏..‏وتراجع احترامالحكام لارادة
شعوبهم‏,‏ وتفشي الكبت والقهر الفكري والسياسي والمذهبي‏,‏ وتعاظم دور
السلطة علي حساب حقوق المواطنين‏..‏وضاق الحكام بحرية الرأي والتعبير‏,‏
وعمدوا في سعيهم للحفاظ علي مكاسبهم وسلطانهم للتضييق علي من يخالفهم أو
يرفض سياساتهم‏..‏واستخدموا من رجال الدين وعلماء المسلمين من يبرر لهم
أفعالهم وسياساتهم‏,‏ وكان لذلك أثره العظيم في تدشين حالة من الجمود
الفكري والفقهي‏.‏
فبتقلص مساحات العدل والشوري تقلصت مساحات الفكر والرأي‏..‏وتأسست مدارس ومناهج إغلاق أبواب الاجتهاد الفكري‏..‏
لكن
هذا المناخ السياسي والفكري الذي بدأ في الظهور مع تأسيس الدولة
الأموية‏,‏ حيث المصادرة والمؤامرة والكبت والقهر‏,‏ لم يمنع من ظهور علماء
ومفكرين ينتصرون للحرية والعدل‏,‏ ويسعون للعودة للمفاهيم الاسلامية
الصحيحة القائمة علي قيم الحرية والعدل‏,‏ ويردون للفكر الاسلامي‏.‏
الإسلام‏(2)‏
اعتباره‏..‏
وباتت قضايا الاجتهاد والإصلاح والتجديد مطروحة علي الفكر الإسلامي تشهد
زخما أحيانا وتحقق بعضا من طموحاتها‏..‏ وتشحب وتهزل وتنزوي في أحيان
أخري‏.‏
وقبل استعراض بعض آراء واجتهادات ورؤي المجددين‏,‏ نتوقف أمام
ملاحظتين مهمتين‏:‏ الملاحظة الأولي‏:‏ إن هؤلاء الذين توقفنا عندهم ليسوا
كل الجديرين بالدرس والتحليل‏.‏ من ناحية لأن المساحة تضيق عن المتابعة
التفصيلية لأعداد هائلة من المجددين الأصلاء‏,‏ ومن ناحية أخري لأن الأسماء
المختارة بمثابة عينة تصلح للتعبير الدال عما يهدف إليه البحث‏.‏
الملاحظة
الثانية‏:‏ إن العرض التحليلي لمن نتوقف عندهم لا يشمل جميع جوانب
اجتهادهم الحر المبدع‏,‏ فقد آثرنا أن ننتقي ما نري أنه الأكثر أهمية
وتميزا‏,‏ والحصيلة النهائية تتجاوز الأفراد ـ مهما يعلو شأنهم ـ إلي الفكر
الإسلامي الذي يستظلون به جميعا‏,‏ فكلهم منتمون إلي هذا الدين ومجتهدون
في إطار الانتماء إليه‏.‏
أولا‏:‏ المجتهدون القدامي
المجتهدون القدامي‏,‏ الذين نتوقف أمام بعض عطائهم وإبداعهم هم‏:‏
‏1‏ ـ أبو الحسن الأشعري‏:‏
أكد
في سلوكه وحياته علي مبدأ مهم وهو واجب وحق الإنسان في تعديل فكره والعدول
عن رأي إذا اكتشف خطأه‏,‏ والسعي للحوار والتفاعل مع الأفكار والرؤي
المطروحة بموضوعية ودون انحياز مسبق وأكد الأشعري في سلوكه وفكره أهمية
التطور الفكري وعدم الجمود والبحث عن المشتركات في الأفكار المتباينة
وتقريب الآراء ووجهات النظر المتنافرة وقد قاد التطور والانفتاح علي مجمل
الأفكار الأشعري لتعزيز مفهوم التسامح الديني‏..‏ وهو من أهم الملامح التي
يمكن رصدها في كتبه‏..‏
‏2‏ـ الفرابي‏..‏ المعلم الثاني
صاحب الفضل
الأول علي الفلسفة الإسلامية‏(‏ عبد المتعال الصعيدي ـ المرجع سابق‏)‏
ص‏125:‏ ص‏126,‏ لأنه هو الذي وضع أساسها‏,‏ ورتب مسائلها‏,‏ ولهذا يعتبر
أول فلاسفة الإسلام علي الحقيقة‏,‏ ولقب بالمعلم الثاني‏,‏ كما كان أرسطو
المعلم الأول‏..‏ أجاد اللغات التركية والفارسية واليونانية والسريانية
والعربية‏..‏ وكان له جهد في تأسيس الفلسفة الإسلامية فجمع ما ترجم قبله
إلي العربية من علوم الفلسفة وهذبه ورتبه وبهذا كان له فضل التجديد الفلسفي
وقتها‏..‏ وكان ينظر في المسائل والآراء الفلسفية المختلفة بنظرة
المجتهد‏,‏ ويدعو إلي الحقيقة ولو خالفت رأيه أو رأي أرسطو‏..‏ كما سعي
لإصلاح آلية الحكم الإسلامي من خلال كتابه‏(‏ آراء أهل المدينة الفاضلة‏)‏
حث فيه علي أهمية حرية الرأي والاعتقاد باعتبارها السبيل الوحيد لنهضة
الأمم والارتفاع بالفلسفة إلي مراتبها الأقصي‏.‏
‏3‏ـ ابن سينا‏..‏ الشيخ الرئيس
انشغل
منذ صباه الباكر بالقراءة ثم التأليف والتعليم نفسه ص‏141:‏ ص‏142..‏ وفي
زمنه كان العباسيون يحاربون أي فكر يخالف مذهبهم‏..‏ ويناوئون الفلسفة
ويتهمون الفلاسفة بالميل لأفكار أعدائهم الفاطميين ويرمون من يخالفهم
بالكفر‏..‏ لم يرهب هذا المناخ ودرس الفلسفة ورفض الجمود والإرهاب الفكري
وخرج من دائرة التقليد إلي براح التجديد وكان يقول حسبنا ما كتب من شروح
لمذاهب القدماء‏,‏ فقد آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا‏..‏ وقد حرص علي
التعامل الموضوعي العاقل مع الآراء والأفكار‏..‏ واجتهد في إصلاح الفلسفة
الإسلامية واستحق لقب الشيخ الرئيس‏..‏ وقد حكم علي أصحاب الجمود
بالكفر‏..‏ ولكن ذلك لم يمنعه من الإخلاص للفسلفة وآراء الفلاسفة ذات
إخلاصه لدينه وعقيدته لأنه كان يؤمن بأنه لا خلاف بينهما‏.‏
‏4‏ـ ابن رشد
درس
العلوم الدينية والعربية والفلسفة دراسة دقيقة حتي امتاز عن كل من قبله من
الفلاسفة بجمعه بين العلوم الدينية والفلسفية‏,‏ فاستحق أن يعد من ائمة
الفقه‏,‏ كما يعد من ائمة الفلسفة‏.‏ أطلق عليه فلاسفة أوروبا في أوائل عصر
النهضة لقب الشارح‏..‏ لأنه كان أفضل من شرح فلسفة أرسطو‏..‏ أدرك بن رشد
مبكرا انه لا عداء بين الفلسفة والدين‏.‏ لكن أنصار الجمود ـ من رجال
وفقهاء الدين ـ تآمروا عليه وحاربوه واتهموه بالكفر‏,‏ لمخالفته آراء أصحاب
نظريات الجمود والتقليد‏,‏ ورد الاعتبار للفلسفة‏,‏ التي أهدرها الغزالي
في كتابه تهافت الفلاسفة وجعل الجمود يخيم علي العقول‏,‏ فكان كتاب ابن رشد
تهافت التهافت الذي أبطل فيه مزاعم الغزالي عن كفر الفلاسفة‏,‏ وكان رأيه
بأنهم مجتهدون يثابون إن أصابوا ويعذرون إن أخطأوا‏.‏ ثم كان كتابه فصل
المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال أكد فيه أنه لا خلاف بين
الفلسفة والشريعة‏,‏ لأنه لا خلاف بين الدين والعقل‏,‏ وأعلي ابن رشد من
قيمة العقل وحرية الفكر والتفكر‏,‏ وهو القائل‏:‏ إن الشريعة الخاصة
بالحكماء هي الفحص عن جميع الموجودات‏,‏ إذ كان الخالق لا يعبد بعبادة أشرف
من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلي معرفة ذاته سبحانه علي الحقيقة التي هي
أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه‏.(‏ مجموعة مؤلفين‏:‏ النزعة العقلية في
فلسفة ابن رشد ص‏270)‏
‏5‏ ـ نجم الدين الطوفي
جاء الطوفي‏,‏ الفقيه
الحنبلي بمبدأ صارم قضي علي الأسلوب المراوغ الذي عالج به الفقه السلفي
المصلحة وكان يفتئت عليها ويضيق بها كأن يقول إن الشرع يأخذ بالمصلحة ثم
يعود ليقول إن المصلحة الحقيقية هي في الشرع‏!.‏
فتح الطوفي هذا الباب
الموارب علي مصراعيه وأعلنها مدوية صريحة أن المصلحة هي المقصد الأسمي الذي
يجب الأخذ به إذا حدث تعارض ما بينه وبين النص أو الإجماع كل علي سواء‏.‏
‏(‏د‏.‏ مصطفي زيد‏:‏ من تفسير الطوفي لحديث‏(‏ لاضرر ولاضرار‏)‏ ـ رسالة دكتوراه ـ قدمت‏1954‏ جامعة القاهرة ص‏23)‏
وأكد
الطوفي أن الأخذ بالمصلحة عند التعارض بينها وبين النص لا يتأتي من باب
الافتئات علي النص‏,‏ ولكن من باب تأويله ولا يقال إن الشرع أعلم
بالمصالح‏,‏ فلتؤخذ من أدلته لأننا قررنا أن رعاية المصلحة من خصائص الشرع
وهي أقواها وأخصها فنقدمها في تحصيل المصالح‏..‏
في الطوفي نجد المعالجة
الصريحة الجذرية لقضية المصلحة ونجد الإقامة الأصولية لها علي أسس شرعية
لأنه انتهي إلي مبدئه عن طريق تفسيره لحديث لاضرر ولاضرار وقد أثارت آراؤه
ثائرة الفقهاء منذ أن قال بتقديم المصلحة‏,‏ التي تفتح الباب علي مصراعيه
للعقل وحرية الفكر والاجتهاد‏.‏
‏6‏ـ ابن خلدون
عند بن خلدون نجد
الرجل الوحيد ـ تقريبا ـ الذي تحرر من روح عصره بحيث استطاع أن يحكم العقل
والمنطق في كل ما تركه الأسلاف من تراث‏,‏ في الفقه‏,‏ وفي الحديث‏,‏ وفي
التفسير‏,‏ عقلانيته غلبت روح عصره بحيث كان تحرره شاملا واستطاع بهذه
الصفة أن يرسي نظريته في الحضارة والعمران‏..‏ وأن يقرر أن الحكم يقوم علي
العصبية أو القوة وأن حكم الرسول والخلفاء الراشدين كان استثناء ولا يمكن
إدراجه في صنوف الحكم ثم تعرض لأكبر سببين يؤديان إلي تدهور الحضارات وهما
ظلم الحكام وترف المترفين‏,‏ وأن هذين إنما هما حصيلة لمبدأ قيام الحكم علي
العصبية أو الغلبة‏,‏ فكأنهما لصيقان بالحكم‏.‏
هذا كله بالاضافة إلي
ما تضمنته المقدمة من تعقيبات وملاحقات لكل ثقافات عصره سواء كانت في
الفنون أو الآداب أو قواعد الاجتماع الخ‏...(‏ جمال البنا‏:‏ تجديد الإسلام
وإعادة الإسلام وإعادة تأسيس منظومة المعرفة الإسلامية ص‏34:‏ ص‏35)‏
وقد
كسب الغرب من ابن خلدون واستعاد آراءه كما استفاد من ابن رشد من قبل‏.‏
وكانت بلاده وأهله هم آخر المستفيدين منه‏.‏ بل إن فكرته عن الدولة كان
يمكن أن تنقذنا من غوائل الحاكمية الساذجة إذا كنا قد أوليناها اهتماما
كافيا‏..‏
الأسماء السابقة تمثل بعض النماذج المضيئة في تاريخ الفكر
الإسلامي‏,‏ والعرض الموجز الذي قدمناه يستهدف تسليط الضوء علي بعض القيم
والمفاهيم العصرية التي ينبغي التسلم بها والافادة منها‏:‏
‏1‏ ـ التسامح الديني مقولة قائمة في التراث الإسلامي‏,‏ وليست معطي عصريا منقطع الصلة بما كان‏.‏
‏2‏ـ حرية الرأي والاعتقاد من الركائز المهمة التي توقفت أمامها الفلسفة الإسلامية‏.‏
الاسلام‏(3)‏ انتهي
‏3‏ ـ التجديد الفكري ضرورة‏,‏ ومسايرة روح العصر من الحتميات التي يهتم بها التراث الإسلامي‏.‏
‏4‏
ـ المصلحة الإنسانية هي الهدف الاسمي‏,‏ وهو مايفتح الباب علي مصراعيه
لإعمال العقل من ناحية والإيمان بحرية الفكر وحق الاجتهاد من ناحية أخري‏.‏
‏5‏ـ
التراث الإسلامي جزء من التراث الإنساني العام‏,‏ وإذا كان الغرب قد أفاد
منه تمهيدا لصعوده وازدهاره‏,‏ فلا حرج من أن يفيد المسلمون المعاصرون من
التراث الغربي‏,‏ ولاضير في الاقتباس منه‏.‏
وقد استمرت أصوات التجديد
المعاصرة في إخلاصها للإيمان بحرية الرأي والتعبير‏,‏ وتركز علي قراءة
مكثفة لبعض رموز التجديد من المعاصرين‏:‏
‏1‏ـ الإمام محمد عبده
يقول
الإمام محمد عبده‏(‏ مجدد القرن العشرين‏)‏ في كتابه الإسلام بين العلم
والمدنية‏(‏ الإمام محمد عبده‏:‏ الإسلام بين العلم والمدنية ص‏76:‏ ص‏82(‏
بتصرف‏)‏ إن الأصل الأول من أصول الإسلام‏,‏ هو النظر العقلي‏.‏ والنظر
عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح‏.‏
والأصل الثاني‏:‏ هو تقديم العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض‏.‏
زما
الأصل الثالث فهو البعد عن التكفير‏:‏ فقد اشتهر بين المسلمين وعرف من
قواعد أحكام دينهم أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل
الإيمان من وجه واحد حمل علي الإيمان‏.‏ ولايجوز حمله علي الكفر‏.‏
والأصل
الرابع‏:‏ الاعتبار بسنن الله في الخلق‏:‏ وهو ألا يعول بعد الأنبياء في
الدعوة الي الحق علي غير الدليل‏,‏ وألا ينظر الي العجائب والغرائب وخوارق
العادات‏.‏
والأصل الخامس‏:‏ هدم السلطة الدينية‏:‏ هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها حتي لم يبق لها عندالجمهور من أهله اسم ولا رسم‏.‏
لم
يدع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانا علي عقيدة أحد ولاسيطرة علي
إيمانه علي أن الرسول عليه السلام كان مبلغا ومذكرا لامهيمنا ولامسيطرا‏.‏
لكل
مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله وعن رسوله من كلام رسوله‏,‏ بدون توسيط
أحد من سلف ولاخلف وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله مايؤهله
للفهم‏,‏ كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها وأحوال العرب خاصة في
زمان البعثة وماكان الناس عليه زمن النبي صلي الله عليه وسلم‏.‏
وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي‏,‏ وشيء من الناسخ والمنسوخ من الآثار‏.‏
فإن
لم تسمح له حاله بالوصول إلي مايعده لفهم الصواب من السنة والكتاب فليس
عليه إلا أن يسأل العارفين بهما وله بل عليه أن يطالب المجيب بالدليل علي
مايجيب به سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال‏.‏
فليس في الإسلام مايسمي بالسلطة الدينية بأي وجه من الوجوه‏.‏
‏2‏ـ الدكتور عبد المتعال الصعيدي
أحد
أهم المجددين الإسلاميين فيما يتعلق بقضية حرية الرأي والتعبير‏,‏ كتب
كتابين مهمين في هذا الإطار هما‏(‏ حرية الفكر في الإسلام‏,‏ والحرية
الدينية في الإسلام‏)‏
حاول في الأخير شرح السياق الذي وردت فيه آيات القتال في القرآن الكريم‏:‏
يقول
الصعيدي‏:‏ علينا أن نعيد النظر في جميع الآيات الواردة في القتال‏,‏
لننظر هل القتال فيها لإكراه الناس علي الإسلام كما ذهب اليه جمهور
الفقهاء‏,‏ أو لأجل حماية الدعوة كما ذهب اليه الشيخ محمد عبده؟
فأول
مانزل في القتال قوله تعالي في الآيات أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا
الآيات‏,‏ فهو إذن للمسلمين بقتال من قاتلهم من المشركين وأخرجهم من ديارهم
بغير حق إلا أن قالوا ربنا الله‏,‏ ولا شك أن هذا صريح في أن قتالهم
للمشركين لحماية دعوتهم منهم بعد أن قاتلوهم وحاولوا فتنتهم بالقتال عن
دينهم‏,‏ فقابلوهم قتالا بقتال لحماية الدعوة منهم‏,‏ وليس في هذا أدني
دلالة علي أن قتال المسلمين لهم كان لإدخالهم في دين الإسلام‏,‏كما ذهب
إليه جمهور الفقهاء في تفسير آيات القتال‏.‏
وقد جاء في هذه الآيات أنه
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها
اسم الله كثيرا‏.‏ وهذا صريح في أن قتال المسلمين لحماية بيوت العبادة أن
يهدمها أولئك المشركون ويمنعوا ذكر الله فيها‏,‏ ولم تفرق الآيات في بيوت
العبادة بين بيوت اليهود والنصاري والمسلمين‏,‏ لأن المسلمين مطالبون
بالدفاع عن كل من يدخل في حكمهم علي اختلاف أديانهم‏,‏ ومثل هذا لايكاد
يوجد في دين غير دين الإسلام‏.‏
ثم نزل بعد هذا قوله تعالي وقاتلوهم حتي
لاتكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا علي الظالمين وقوله
تعالي وقاتلوهم حتي لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله
بما يعملون بصير فأمر في الايتين بقتال المشركين حتي لاتكون منهم فتنة
للمسلمين عن دينهم‏,‏ وحتي يكون دينهم خالصا لله غير مزعزع ولامضطرب‏,‏ لأن
الدين لايكون خالصا له إلا إذا امتنعت الفتن عنه وقوي سلطانه‏,‏ حتي
لايجرؤ أحد علي أهله‏,‏ فإن انتهوا عن الاعتداء علينا بالقتال وعن فتنتنا
عن ديننا به انتهينا عنهم‏,‏ لان لا عدوان إلا علي الظالمين الذين يعتدون
علينا‏,‏ ويحاولون فتنتنا عن ديننا‏,‏ والله تعالي بصير بما يعملون في
الخفاء لكيد الإسلام من غير قتال‏,‏ فيحبطه ولايمكنهم من الكيد لدينه‏,‏
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‏.‏
‏(‏د‏.‏ عبدالمتعال الصعيدي‏:‏ الحرية الدينية في الإسلام ص‏30:‏ ص‏54(‏بتصرف‏)‏
أهل الكتاب‏:‏
ويضيف
الصعيدي أنه مما جاء في آيات القتال أيضا قوله تعالي وقاتلوا المشركين
كافة كما يقاتلونكم كافة وكان الإذن بالقتال لهم قبلها خاصا بمشركي مكة‏,‏
لأنهم هم الذين كانوا يقاتلون المسلمين‏,‏ فلما انضم اليهم في القتال غيرهم
من المشركين أمر المسلمون بقتالهم معهم‏,‏ فيكون قتالهم لحماية دعوة
الإسلام منهم أيضا‏,‏ ولايكون لأجل إدخالهم كرها في الإسلام‏.‏
وكذلك
جاء في القتال قوله تعالي قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولاباليوم الآخر ولا
يحرمون ما حرم الله ورسوله ولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتي
يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون والأمر بالقتال في هذه الآية خاص ببعض أهل
الكتاب لا عام‏,‏ وهم الذين لايؤمنون بالله ولاباليوم الآخر حق الإيمان‏,‏
ولايحرمون ماحرم الله ورسوله من الاعتداء علي الداعين إليه‏,‏ ولا يدينون
دين الحق الذي لايرضي بموالاة المشركين علي المسلمين‏,‏ وهم يدعون إلي
الإيمان والتوحيد‏,‏ ويحاربون عبادة الأصنام كما يحاربها اهل الكتاب‏,‏
فؤلاء الناس من أهل الكتاب قد خرجوا علي دينهم بموالاتهم للمشركين علي
المسلمين‏,‏ وبقتالهم للمسلمين معهم‏,‏ كما قال تعالي‏:‏ ولو كانوا يؤمنون
بالله والنبي وما أنزل إليه مااتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون يقصد
نبيهم وما أنزل إليه من الدعوة إلي الإيمان بالله وترك عبادة الأصنام‏,‏
ولقد وصل الحقد علي الإسلام ببعضهم الي تفضيل الشرك علي مايدعو اليه من
التوحيد‏,‏ كما قال تعالي‏:‏ ألم تر إلي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب
يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدي من الذين آمنوا
سبيلا‏.‏
ولايعقل أن نؤمر بقتال أهل الكتاب جميعا ولو لم يقاتلونا‏,‏ مع
أنه لم يؤذن لنا إلا في قتال من يقاتلنا من المشركين‏,‏ كما سبق في آيات
قتالهم‏,‏ وكما جاء في قوله تعالي لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في
الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم الآيتين‏,‏ ولاشك أن هل الكتاب أقرب
إلينا من المشركين‏,‏فيكون من لم يقاتلنا منهم أولي بالمعاملة بالبر‏,‏
وبعدم النهي عن موالاته‏.‏
ولاشك أن الإسلام يجري في هذا علي أساس ماجاء
به من تحريم قتال من لم يقاتله‏,‏ ويزيد عليه في رفع الحرج عنا في بره
وموالاته‏,‏ لأنه دين سمح لايضيق بغير أهله‏,‏ ولايبخل عليهم بشيء من رحمته
ورأفته لأن رحمته عامة لا خاصة‏,‏ كما قال تعالي خطابا لنبيه‏(‏ صلي الله
عليه وسلم‏)‏ وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين فجعل رسالته عامة‏,‏ لا
للمسلمين خاصة‏.‏









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://avamakary.yoo7.com
 
حرية الرأي والعقيدة - بقلم‏:‏ عبد الرحيم علي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتديات المسيحية :: الاخبار المسيحية والعامة-
انتقل الى: